samedi 3 septembre 2011

المفهوم [2]

المفهوم
المفهوم: هو أحد المباحث الأصولية المهمة التى أولاها الأصوليون جُلَّ اهتمامهم؛ بتحرير معناه وأقسامه وأهميته فى استنباط الأحكام؛ إذ إنّ كثيرًا من الفروع الفقهية ترتبط به ارتباطًا وثيقًا؛ فلا شك أنه موضوع جدير باهتمام الباحثين والعلماء على اختلاف أنظارهم ومشاربهم.
أولاً: تعريف المفهوم
تعريف المفهوم لغة:
مأخوذ من الفهم، وهو معرفة الشىء بالقلب، يقال: فَهِمْت الشىء أى: عَقَلْتَهُ وَعَرَفْتَهُ، وفهَّمت فلانًا وأفهمته، ورجل فَهِيم: سريع الفهم، وَتَفَهَّمْت المعنى: إذا تَكَلَّفت فهمه(1).
ويقال: فَهِمَهُ فَهْمًا وَفَهَمًا وَفَهَامةً: علمه، الأخيرة عن سيبويه(2).
والمفهوم: اسم مفعول، وهو ما يفهم ويستفاد من اللفظ. هذا هو معناه لغة كما ورد فى معاجم اللغة العربية.
تعريف المفهوم اصطلاحًا:
يطلق ويراد به عند المناطقة: الصورة الذهنية، سواء وضع بإزائها الألفاظ أو لا، كما أن المعنى هو الصورة الذهنية، من حيث وُضِعَ بإزائها الألفاظ(3).

(1) ينظر: تهذيب اللغة للأزهرى (6/335) ولسان العرب لابن منظور (10/459) [فهم].
(2) عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثى بالولاء، أبو بشر، الملقب سيبويه: إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو، ولد فى إحدى قرى شيراز سنة (148هـ)، وقدم البصرة، فلزم الخليل بن أحمد ففاقه، وصنف كتابه المسمى كتاب سيبويه فى النحو. توفى شابًّا سنة (180هـ). انظر البداية والنهاية (10/176)، الأعلام (5/81).
(3)  انظر الكليات لأبى البقاء الكفوى (4/282).
صحفة 1


أما عند علماء الأصول: فيطلق ويراد به: مَعْنًى دَلَّ عليه اللَّفْظُ لا فى مَحَلِّ النُّطْقِ، أَوْ هُوَ: ((دلالة اللَّفْظِ على مَعْنًى فى غير مَحَلِّ النُّطْقِ؛ بأن يكون ذلك المعنى حُكمًا لِغَيْرِ المذكور فى الكلام وحالاً من أَحْوَالِهِ، سواء كان ذلك الحكم مُوَافِقًا لحكم الْمَذْكُورِ، أو مخالفًا له))(1).
ثانيًا : أقسامه
قَسَّمَ علماء الأصول المفهوم ­ عمومًا ­ إلى قسمين رئيسين:
الأول: مفهوم الموافقة.
الثانى: مفهوم المخالفة.
وتنبع فلسفة هذا التقسيم من حيث إن المسكوت عنه إن كان موافقًا فى الحكم للمذكور، فالدلالة عليه حينئذ هى مفهوم الموافقة، وإن كان مخالفًا فى الحكم للمذكور، فالدلالة عليه حينئذ هى مفهوم المخالفة.
وفيما يأتى نتحدث عن مفهوم الموافقة:
مفهوم الموافقة
تعريفه:
قال ابن بَرْهان(2): هو أن يكون حكم المسكوت عنه موافقًا لحكم المنطوق به؛ كقوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء:23] فإنه نص فى تحريم ضروب الأذى من الضرب والتعنيف، وهى مساوية للتَّأْفيفِ فى التحريم(3).

(1) المنطوق والمفهوم لشيخنا الشيخ محمد الخضراوى ص (40).
(2) أحمد بن على بن محمد بن برهان، أبو الفتح، ولد سنة (479هـ) وتفقه على الغزالى والشاشى، وإلكيا الهراسى، وبرع فى المذهب وفى الأصول، وله من التصانيف المشهورة: البسيط، والوسيط، والوجيز وغيرها. توفى سنة (518 هـ). انظر: طبقات ابن قاضى شهبة (1/279) ووفيات الأعيان (1/82) وطبقات السبكى (4/42).
(3) انظر: الوصول إلى الأصول (1/3350).
صحفة 2


وقال الآمدى(1): أما مفهوم الموافقة: فما يكون مدلول اللفظ فى محل السكوت موافقًا لمدلوله فى محل النطق، ويسمى ­ أيضًا­: فَحْوى الخطاب، ولَحْن الخطاب، والمراد به معنى الخطاب، ومنه قوله تعالي: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30] أى: فى معناه(2).
وقال القرافى فى نفائسه: ((هو دلالة لفظ المنطوق على ثبوت حكمه للمسكوت بطريق أولى))(3).
وقيل: ((هو ما يَكُونُ مدلول اللَّفْظِ فى محل السكُوتِ مُوَافِقًا لمدلوله فى مَحَلِّ النطق)).
وبعبارة أخرى هو: دلالة اللَّفْظِ على ثُبُوتِ حكم المَنْطُوقِ للمسكوت عنه؛ لفهم مَنَاطِ الحكم لُغَةً؛ بأن يُوجَدَ فى المَنْطُوقِ معنى يفهم كل من يَعْرِفُ اللُّغة - أَىْ: وضع الألفاظ للمعانى - أن الحُكْمَ فِى المَنْطُوقِ إنما ثَبَتَ لأَجْلِهِ، من غير احْتِيَاجٍ فى فَهْمِ ذلك إلى نَظَرٍ واجتهاد.
وهذا القِسْمُ هو المُسَمَّى فى اصْطِلاحِ الأحْنَافِ بـ ((دلالة النص))(4).

(1) على بن أبى على بن محمد بن سالم الثعلبى، سيف الدين الآمدى، شيخ المتكلمين فى زمانه، ومصنف الإحكام، ولد سنة (550 هـ) أو بعدها بيسير، ورحل إلى بغداد، وقرأ بها القراءات. له: الإحكام فى أصول الأحكام، وغيره، قال الذهبى: وله نحو من عشرين مصنفًا. مات سنة (631 هـ) انظر: طبقات ابن قاضى شهبة (2/79) ووفيات الأعيان (2/455)، وطبقات الشافعية للسبكى (5/129).
(2) انظر: الإحكام فى أصول الأحكام (3/62).
(3) انظر: النفائس (3/1344) والقرافى هو: أحمد بن إدريس القرافى، وهو شهاب الدين، أبو العباس أحمد بن أبى العلاء: إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله الصنهاجى. كان إمامًا بارعًا فى الفقه والأصول والعلوم العقلية، ومن تصانيفه: كتاب الذخيرة، والقواعد، والتنقيح... وغيرها كثير. توفى سنة (684 هـ). انظر: الديباج لابن فرحون (1/236 - 239) والمنهل الصافى (1/215).
(4) انظر: المنطوق والمفهوم للشيخ الخضراوى (41).
صحفة 3


أمثلة على مفهوم الموافقة:
ومن أمثلته:
1 - قوله ­ عزَّ وجلَّ­: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75].
فإن منطوق الأول يدل على تأدية المتَحَدثِ عنه من أهل الكتاب للقنطار المؤْتَمَنِ عليه لأمانته، ويدل بمفهومه الموافق من ناحية أخرى على تَأْدِيَتِهِ لما دون القنطار المسكوت عنه بطريق الأولى.
ويدل منطوق الثانى على عدم تَأْدِيَةِ المتَحَدَّثِ عنه للدينار المؤْتَمَنِ عليه. ويدل بمفهومه الموافق على عدم تَأْدِيَتِهِ لما فوق الدينار المسكوت عنه بالأَوْلَى؛ فإنه من المعلوم ­ من جهة العرف ­ أن من يكون أمينًا فى أداء القنطار يكون بالأولى أمينًا فيما دونه، والعكس من يكون خائنًا فى أداء الدينار يكون بالأولى خائنًا فيما هو أكثر منه.
2- قول الله - عز وجل-: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء:23]؛ حيث دل منطوق هذا النص على تحريم التأفيف(1), ودل مفهومه الموافق على تحريم الضرب المسكوت عنه؛ لفهم مَنَاطِ تحريم التَّأْفِيفِ، وهو الإيذاء لغةً؛ وذلك لأن أهل اللغة يفهمون أن مَنَاطَ تحريم التَّأْفِيفِ هو الإيذاء، والإيذاء موجود فى الضرب، وما أشبهه؛ فيفهم منه بالموافقة ثبوت تحريم الضرب كالتأفيف، كذلك فإن الضرب أشد إيذاءً من التأفيف؛ فيكون أولى بالحكم منه.

(1) انظر: النفائس (3/1344)، والمنطوق والمفهوم (41).
صحفة 4


شروط تحقُّق مفهوم الموافقة
يشترط فى تحقق مفهوم الموافقة شروط ثلاثة، هى:
الأول: يشترط لتحققه أن يوجد فى المنطوق معنى، يفهم منه كل من يعرف لغة العرب أن الحكم فيه إنما يثبت لأجل هذا المعنى.
الثانى: يشترط ­ أيضًا ­ أن يكون هذا المعنى موجودًا فى المسكوت عنه.
الثالث: ويشترط ألا يكون فى المسكوت عنه أقل مناسبة واقتضاء للحكم منه فى المنطوق(1).
ويشترط اجتماع هذه الثلاثة ؛ لتحقق مفهوم الموافقة؛ بحيث إنه ينتفى تحقُّقه بانتفاء أحد هذه الشروط.
هذا ما اتفق عليه الأصوليون فى اعتبار هذه الشروط جميعًا. واختلفوا فيما بينهم فى اعتبار أنه هل يشترط فى المعنى - الذى ثبت الحكم من أجله - أن يكون فى المسكوت أشد مناسبة واقتضاء للحكم منه فى المنطوق؛ بحيث لا يكفى فى الدلالة والتسمية بمفهوم الموافقة أن يكون مساويًا، أو عدم اعتبار ذلك الشرط؛ فيكفى أن يكون مساويًا؟.
وتحرير محل الخلاف بينهم كما يلى:
1- ذهب سيف الدين الآمدى(2) والشيخ أبو إسحاق الشيرازى(3) إلى أنه يشترط فى مفهوم الموافقة أن يكون المسكوت أولى باستحقاق الحكم من المنطوق؛ لكون مناط الحكم فيه أقوى اقتضاء للحكم منه

(1) انظر: الكوكب المنير لابن النجار (3/482) والمنطوق والمفهوم للشيخ الخضراوى (43) وما بعدها.
(2) انظر: الإحكام (3/64، 65).
(3) انظر: اللمع ص (25)، وهو إبراهيم بن على بن يوسف بن عبد الله، أبو إسحاق الشيرازى، ولد سنة (393 هـ) أخذ الفقه على أبى عبد الله البيضاوى، وقرأ على الجزرى، وقرأ الأصول على أبى حاتم القزوينى وشيوخ كثيرين، كان عالمًا عاملاً ورعًا، اشتهر وارتفع ذكره. له تصانيف, منها: التنبيه، واللمع وغيرهما. مات سنة (476 هـ). انظر: طبقات ابن قاضى شهبة (1/238) وطبقات السبكى (3/88).
صحفة 5


 فى المنطوق؛ كما فى دلالة النهى عن التأفيف على تحريم الضرب ونحوه.
وفى ذلك يقول الآمدى رحمه الله(1): ((أما مفهوم الموافقة فما يكون مدلول اللفظ فى محل السُّكوت موافقًا لمدلوله فى محل النطق)).
وقال معقبًا على أمثلة ساقها له: ((والدلالة فى جميع هذه الأقسامِ لا تخرج من قبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى، وبالأعلى على الأدنى، ويكونُ الحكمُ فى محلّ السكوتِ أولى منهُ فى محلّ النطق؛ وإنما يكونُ كذلك إن عُرِفَ المقصودُ من الحكمِ فى محلّ النطق من سياق الكلام، وعُرفَ أنه أشدُّ مناسبةً واقتضاءً للحكم فى محلّ السكوتِ، من اقتضائهِ لهُ فى محل النطق، وذلك كما عرفنا من سياق الآيةِ المُحرِّمةِ للتأفيفِ أنَّ المقصودَ إنما هو كفُّ الأذى عن الوالدين، وأنَّ الأذى فى الشتمِ والضرب أشدُّ من التأفيف، فكان بالتحريم أولى. وإلا فلو قطعنا النظرَ عن ذلك لما لزمَ من تحريم التأفيف تحريمُ الضربِ العنيفِ؛ ولهذا فإنه ينتظمُ من الملكِ أن يأمر الجلاد بقتل والده إذا استيقنَ منازعتهُ له فى ملكهِ، وينهاهُ عن التأفيف؛ حيث كان المقصودُ من الأمر بالقتل إنما هو دفع محذورِ المنازعة فى الملك، وإن كان القتل أشدَّ فى دفعهِ من التأفيف، ولذلك لم يلزمْ من إباحة أعلاهما إباحةُ أدناهما، ولا من تحريم أدناهما تحريمُ أعلاهما)).
قال الشيخ الخضراوى(2) معقبا على كلام الآمدى: ((وكلام الآمِدِىِّ صَرِيحٌ فى اختياره القول باشتراط الأَوْلَوِيَّةِ، وهذا المَذْهَبُ هو قضية ما نقله أبو المَعَالِى الجوينى(3) فى ((البرهان))(4) عن الإمام الشافعى(5)؛ حيث قال الشافعى - ونحن نسرد معانى كلامه - : ((المَفْهُومُ قسمان: مفهوم مُوَافقة، ومفهوم مخالفة)).

(1) انظر: الإحكام فى أصول الأحكام (3/62).
(2) انظر: المنطوق والمفهوم ص (45).
 (3) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد، العلامة إمام الحرمين، أبو المعالى بن أبى محمد الجوينى ولد سنة (419 هـ) وتفقه على والده، ومن تصانيفه: النهاية والغياثى والإرشاد، وغيرها. مات سنة (478هـ). انظر: طبقات ابن قاضى شهبة (1/255) وطبقات السبكى (3/249) ووفيات الأعيان (2/341).
(4)انظر: البرهان (1/448), والبحر المحيط (4/9).
(5) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن الشافع بن السائب بن عبيد بن عبد بن يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف جد النبى صلى الله عليه وسلم. وشافع بن السائب هو الذى ينسب إليه الشافعى، لقى النبى صلى الله عليه وسلم فى صغره، وأسلم أبوه السائب يوم بدر؛ فإنه كان صاحب راية بنى هاشم. كان ذلك فى سنة خمسين ومائة، وهى السنة التى مات فيها الإمام أبو حنيفة رحمه الله. حمل إلى مكة وهو ابن سنتين ونشأ بها. وانتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازى ص (48 - 50)، وفيات الأعيان: (4/163 - 169)، تذكرة الحفاظ: (1/361 - 363)، طبقات الشافعية لابن هداية الله ص (11 - 14).
صحفة 6


أما مَفْهُومُ المُوَافَقَةِ فهو: ((ما يَدُلُّ على أن الحكم فى المَسْكُوتِ عنه مُوَافِقٌ للحكم فى المنطوق به من جهة الأولى)).
2- وذهب شيخ الإسلام الغزالى(1) فى مستصفاه، والإمام الرازى(2) فى محصوله إلِى أنه لا يشترط فى مفهوم الموافقة أولوية المسكوت عنه بالحكم؛ بل المدار على ألا يكون مناط الحكم فى المسكوت عنه أقل مناسبة واقتضاء للحكم منه فى المنطوق، سواء كان أولى منه، أو مساويًا له فى ذلك(3).
وقال بدر الدين الزركشى(4) فى ((البحر))(5): وهو ظاهر كلام الجمهور من أصحابنا وغيرهم.

(1) محمد بن محمد بن محمد، حجة الإسلام، أبو حامد الغزالى، ولد سنة (450 هـ) أخذ عن إمام الحرمين ولازمه، حتى صار أنظر أهل زمانه، وجلس للإقراء فى حياة إمامه، وصنف الإحياء المشهور، والبسيط، وهو كالمختصر للنهاية، وله الوجيز، و المستصفى وغيرها. توفى سنة (505 هـ). انظر: طبقات ابن قاضى شهبة (1/293) ووفيات الأعيان (3/353)، وشذرات الذهب (4/10).
 (2) محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن على، سلطان المتكلمين فى زمانه، فخر الدين، أبو عبد الله الرازى، ولد سنة (544 هـ) واشتغل أولاً على والده ضياء الدين عمر، ثم على الكمال السمنانى وعلى المجد الجيلى وغيرهما، وأتقن علومًا كثيرة، وبرز فيها وتقدم وساد، وصنف فى فنون كثيرة، وروى عنه ندمه على الدخول فى علم الكلام، وله التفسير الكبير ((مفاتيح الغيب))، وكذلك كتاب ((المحصول)) وغيرهما. مات سنة (606 هـ). انظر: طبقات ابن قاضى شهبة (2/65) ولسان الميزان (4/426) والأعلام (7/203).
(3) انظر: المستصفى (3/412).
(4) محمد بن بهادر بن عبد الله، العالم العلامة، المصنف المحرر، بدر الدين أبو عبد الله المصرى، الزركشى. ولد سنة خمس وأربعين، أخذ عن الشيخين جمال الدين الإسنوى وسراج الدين البلقينى، ورحل إلى حلب إلى شهاب الدين الأذرعى، وتخرج بمغلطاى فى الحديث. قال بعض المؤرخين: كان فقيهًا، أصوليًّا، أديبًا، فاضلاً فى جميع ذلك ودرس وأفتى، ومن تصانيفه ((تكملة شرح المنهاج للإسنوى)) واعتمد فيه على النكت لابن النقيب، وخادم الشرح والروضة وهو كتاب كبير، فيه فوائد جليلة، وغيرها. توفى فى رجب سنة أربع وتسعين وسبعمائة. انظر: ابن قاضى شهبة (3/167) والدرر الكامنة (3/397) وإنباء الغمر (3/138) والنجوم الزاهرة (12/134).
(5) انظر: البحر المحيط (4/9).
صحفة 7


معنى ذلك أن هناك فريقين فى اشتراط الأولوية فى مفهوم الموافقة:
الفريق الأول: يذهب إلى اشتراطها وهو منقول عن الإمام الشافعى(1)، واختاره أبو إسحاق الشيرازى وسيف الدين الآمدى(2).
والفريق الثانى: يذهب إلى عدم الاشتراط، وهو مذهب الجمهور، كما ذكره الزركشى فى البحر(3).
واحتج الذين اشترطوا الأولوية بأن إلحاق المسكوت المساوى بالمنطوق فى الحكم لا يخرج عن القياس؛ حيث إنه لا يمكن فهم اتحادهما فى الحكم من النص على حكم المنطوق عرفًا؛ وذلك لأن احتمال التعبد قائم فى محل النطق؛ فلا يتعدى الحكم إلى محل السكوت بخلاف المسكوت الأولى؛ حيث إنه يفهم اتحادهما فى الحكم عرفًا؛ وذلك لأن احتمال التعبُّد حينئذ بعيد؛ نظرًا لأولوية المسكوت بالحكم(4).
مناقشة هذا الاحتجاج:
ويمكن أن يناقش هذا الاحتجاج بأن مَحلَّ النِّزَاعِ إنما هو المَنْطُوقُ الذى وجد فيه مَعْنًى يفهم العارف باللغة أن الحكم إنما ثَبَتَ فيه لأجله، وأن هذا المَعْنَى مَوْجُودٌ فى المَسْكُوتِ على السواء، وحينئذ فيقال لهم: إن أردتم بقولكم: ((إنما احتمال التَّعَبُّدِ قائم قيامه مع فهم مَنَاطِ الحكم لغة، ووجود هذا المناط فى المسكوت، كما هو المفروض ­ فممنوع قَطْعًا؛ إذ بعد فرض فهم  المَنَاطِ لغة، ووجوده فى المسْكُوتِ لا يتأتى احتمال

(1) انظر: البرهان (1/448 - 449), والبحر المحيط (4/9).
(2) انظر: الإحكام فى أصول الأحكام (3/64 - 65).
(3) ينظر: البحر (4/9).
(4) المنطوق والمفهوم للشيخ الخضِراوى بتصرف (46 - 47).
صحفة 8


 التعبد احتمالاً يُعْتَدُّ به فى العُرْفِ والعادة؛ بحيث يكون قَانِعًا من فَهْمِ ثبوت الحكم للمسكوت لغة.
وإن أَرَدْتُمْ به قِيَامَ الاحْتِمَالِ مع عَدَمِ فَهْمِ المَنَاطِ لُغَةً فَمُسَلَّمٌ، ولا يفيدكم؛ لخروجه حينئذ عن مَحَلِّ النزاع؛ إذ مساواة المَسْكُوتِ للمنطوق فَرْعٌ عن فَهْمِ مناط الحكم ووجوده فى المسكوت.
ومن مُنَاقَشَةِ هذا الدَّلِيلِ يَتَّضِحُ أنه لا يَصْلُحُ أن يكون حُجَّةً على اشتراط الأَوْلَوِيَّةِ.
قال الشيخ الخضراوى(1): وقد اسْتَدَلَّ الفريق الثانى - القائل بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الأَوْلَوِيَّةِ - بأنا نَعْلَمُ قَطْعًا أنه كثيرًا ما يفهم ثبوت حكم المنطوق للمسكوت مع عَدَمِ أَوْلَويَّتِهِ بالحكم؛ لِفَهْمِ المَنَاطِ لغة، كما فى فَهْمِ تحريم إحراق مال اليتيم من تَحْرِيمِ أَكْلِهِ ظُلْمًا، وإِهْدَار هذا النحو من الدلالة مما لا وَجْهَ له؛ إذ بعد فرض فهم ثبوت حُكْمِ المنطوق لِلْمَسْكُوتِ لفهم المَنَاطِ لُغَةً - كما هو مَوْضُوعُ النزاع - لا وَجْهَ لإِهْدَارِ هذه الدلالة.
نعم، إن أَرَادُوا بهذا الشَّرْطِ أنه لمجرد تَسْمِيَةِ الدلالة على ثُبُوتِ الحكم لِلْمَسْكُوتِ بمفهوم الموافقة اصْطِلاحًا، كما اصطلح بعضهم على تَسْمِيَةِ الدلالة على ثُبُوتِ الحكم للمسكوت الأولى بِـ ((فَحْوَى الخِطَابِ))، وعلى تسمية الدلالة على ثُبُوتِ الحكم للمسكوت المُسَاوى بـ ((لحن الخِطَابِ)) ­ فلهم اصْطِلاحُهُمْ، ولا مُشَاحَّةَ فى الاصْطِلاحِ، وحينئذ فلا يعدو هذا الخلاف أن يكون خلافًا فى التسمية والاصْطِلاحِ، أما كونه شَرْطًا لأَصْلِ الدلالة على ثبوت حُكْمِ المَنْطُوقِ للمسكوت، فهذا لم يقم لهم عليه دَلِيلٌ، بل

(1) المنطوق والمفهوم (49).
صحفة 9


قد قام الدَّلِيلُ على خلافه.
ثمرة هذا الخلاف: تتجلَّى ثمرة هذا الخلاف فى أن ثبوت حكم المنطوق للمسكوت المساوى - على القول باشتراط الأولوية - يكون بطريق القياس، فإذن تجرى عليه أحكام القياس(1).
وعلى القول بعدم الاشتراط يكون ثبوته بطريق النَّصّ، فيأخذ حكم المنصوص.

(1) القياس: لغة: هو التقدير والمساواة، وفى الاصطلاح: إثبات مثل حكم معلوم فى معلوم آخر؛ لاشتراكهما فى علة الحكم عند المثبت. واتفق العلماء - كما فى المحصول - على أن القياس حجة فى الأمور الدنيوية، واختلفوا فى الشرعية. فذهب الجمهور إلى وجوب العمل بالقياس شرعًا، وذهب الشاشى من الشافعية وأبو الحسين البصرى من المعتزلة إلى أن العقل قد دل على ذلك، وقال الفاشانى والنهروانى: يجب العمل به فى صورتين؛ إحداهما: أن تكون علة الأصل منصوصة؛ إما بصريح اللفظ أو بالإيماء إليها. والثانية: أن يكون الفرع بالحكم أولى من الأصل؛ كقياس الضرب على التأفف. وأنكر داود الظاهرى التعبد به شرعًا. وإن كان جائزًا عقلاً. وذهب إلى أنه يستحيل التعبد بالقياس عقلاً، وهو رأى النظام والشيعة. انظر: القياس أ.د محمد نبيل سعد الشاذلى الأستاذ بجامعتى القاهرة وعين شمس ص (4)، وما بعدها، والإحكام (3/167)، والبرهان (2/74)، والمحصول مع النفائس (7/3054)، ونهاية السول (4/2­5).

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire