jeudi 8 septembre 2011

بعض التطبيقات الكلاسيــكية للرّياضيات[2]


 الطب و علوم أخرى في حاجة للمنحنيات وللمخطّطات.
استعمل علماء الكيمياء و البيوكيمياء و الفيزيولوجيا و البيولوجيا العلاقات الرّياضياتية للتعبير عن نتائج القياسات التي تُجرى في المخابر و في غيرها، فيتم التسجيل البياني في الكيمياء و في البيولوجيا و في علوم أخرى حيث تظهر بشكل واضح السّعات و إيقاعات بعض الظواهر العضوية مثلما نرى ذلك في بعض الأجهزة الطبية كـمخطَّط النّبض le sphygmogramme ، مخطَّط القلب le cardiogramme و كذلك مخطَّط الدّماغ l’électroencéphalogramme . و هنا لا يجب أن نغفل ما قدمه باستور Pasteur للصناعة و للبشرية جمعاء.
و بهذه الإنجازات و غيرها يمكن الجزم أن مختلف العلوم و بخاصة ذات الطابع التجريبي، قد استفادت كل الاستفادة من أهـم الوسائل التي وفرتها
الرّياضيات: إنه نظام استعمال الرّموز أو ما يسمّى بـِ : الرّمزية الرّياضياتية Le Symbolisme Mathématique  .
 التجريد قد يسبق التجريب أحيانا.
استطاع العقل البشري الرّياضياتي في عدة مناسبات و بطرق تجريدية بحتة من استباق التجربة واكتشاف بعض الظواهر هي أصلا من اختصاص التجريبيين و ليست من اختصاص التجريديين. و من ذلك، تمكُّن  Le Verrier من البرهان على وجود الكوكب نبتون NEPTUNE و التعرف على خصائصه قبل كل مشاهدة فلكية لهذا الكوكب، و هذا بالاعتماد على الاختلالات الملازمة لمدار أورانوس URANUS بالنسبة لمداره النظري حسب قوانين نيوتن Les Lois de Newton. كما أن الاهتمامات التجميلية لــماكسوال  Maxwell للعلاقات الرّياضياتية و شغفه بجعلها تناظرية أكثر فأكثر كي تكون جذّابة، جعلته يضيف إلى طرفي إحدى المعادلات في علم الكهروديناميك l’électrodynamique حدا بسيطا ؛ ورغم أن هذه الإضافة لم تفد أحدا في حينها إلا أن أهميتها ومعناها التجريبي صارا مؤكدين بعد أن مرت عشرون سنة على حدوثها...
 الرّياضيات تبرهن على التّشابه في هيكلة الأشياء.
الرّياضيات هي العلم الأول الذي أكد و برهن على وجود و صحة ظاهرة طبيعية هامة هي ظاهرة التشابه في هيكلة الأشياء، و هذا بعدما لاحظها الإنسان بفطرته في عدة ملموسات. فرغم الاختلاف الظاهري بينها، وعدم تصديق البعض بصحة ظاهرة التشابه في هيكلتها، برهن علم الرّياضيات على صحة هذه الظاهرة في عدة محطات أذكر منها الأمثلة التالية :
* تمكُّن ماكسوال Maxwell  من اكتشاف التشابه و بالتالي التوحيد بين ظاهرتي الكهرومغناطيسية و الضوء، Unification des phénomènes électromagnétiques et des phénomènes lumineux و لقد تمّ هذا من خلال إنشاءات هندسية شاملة.
* و خلال الحرب العالمية الأولى، لقد لاحظ المهندسون أن محركات دفع الطائرات تعاني من مشاكل كثيرة تعيق العمل المطلوب من هذه الأخيرة، فقام هؤلاء بوضع المعادلات الرّياضياتية لدراسة هذه المشاكل، لكن " و لسوء حظهم " تبيّن لهم أن حل مثل هذه المعادلات أصعب بكثير و أعسر من وضعها، مما جعل الأبحـاث تتــعطل و خسائر الحرب تتعاظم، إلى أن تعرّف أحد المهندسين البريطانيين آنذاك - من الضالعين في
الرّياضيات طبعا - على التشابه بين معادلة فقاعة الصابون التي تمّ التعرف على كيفية حلها و معادلة محرك دفع الطائرة، و لقد كان هذا التشابه سببا مباشرا في حل كل مشاكل محركات الدفع آنذاك.
* أخيرا و ليس آخرا، لاحظ المختصون أن المعادلات التي يجب حلها عند دراسة قوة صلابة ناطحات السحاب تتشابه كثيرا مع تلك المعادلات التي تستخدم في الدارات الكهربائية و التي تتميز بكون حلولها معروفة...
 التكنولوجيا تستفيد و تتطور.
هل وُجِد عبر العصور و في كل الاختصاصات، مهنـدس نـاجح دون معرفة منه لعلم الرّياضيات ؟ فكم قدمت الهندسة الوصفية من خدمات جليلة لـلمهندسين المعماريين عند إعداد تصميماتهم في مجال البناء عموما، كما لا يجب أن أهمل الأدوار الهامة التي لعبتها الميكــانيـك الـدورانيـة La mécanique rotationnelle بفضل الحساب التفاضلي و الحساب التكاملي Le calcul différentiel et le calcul intégral في بنــاء السّــدود.
ولنتساءل : ماذا يمكن أن يفعل مهندس الإلكترونيك إذا ما مُنِعَ من استعمال العدد المركب
ت ؟ أما عن صناعة الطيران والصناعات المتعلقة به قديما وحديثا، فلقد استفادت استفادة عظمى من الرّياضيات و أدواتها و ذلك بتوظيفها لجملة من المفاهيم الرّياضياتية المختلفة أحسن توظيف، فكانت هذه الأدوات أهم وسيلة لتطوير صناعة الطيران و بالخصوص نظرية الدوال التّحليلية لـكـوشي La théorie des fonctions analytiques de Cauchy .
كما يجب أن يكون المخترع رياضياتيا بشكل كاف مثل تاسلا  Tesla المهندس أصلا وصاحب التكوين الرّياضياتي الصّلب والذي تصور المحرك اللاّمتواقت ذو الحقل الـــدوار Le moteur asynchrone à champ tournant ...
 تطبيقات الرّياضيات تحفّز على البحث و التّطور.
مما لاشك فيه أن التكنولوجيا كانت و مازالت الأكثر استفادة من علم الرّياضيات فكــرا و منهجا و وسيلة، لكن الذي قد لا يخطر على البال هو أن تطور التكنولوجيا و قبلها الصناعة في أوروبا خصوصا، حفّز علمــاء الرّياضـيات على إجراء الأبحاث المستمرة و الإكثار من الاكتشافات المتوالية و السريعة قصد حل المسائل التقنية المختلفة التي ما فتئت تظهر في عالمي الصناعة والابتكار، الشيء الذي جعل الصناعيون و أصحاب المشاريع الاستثمارية - و أية استثمارات - يستنجدون بعلماء الرّياضيات كلما عجز غيرهم ممن يجهلونها و يعادونها عن إيجاد الحلول المقنعة و الْمُبَرْهَنِ عَلَيْهَا، و هذا بالرغم من كثرة اقتراحاتهم و تدخلاتهم الظاهر لأولي الألباب فشلها مسبقا.
ففي القرن الثامن عشر تطورت الأبحاث في نظرية المعادلات التفاضلية والمعادلات ذات المشتقات الجزئية La théorie des équations différentielles et aux dérivées partielles . وكذلك حساب التغيرات Le calcul des variations بهدف الإجابة على المسائل التي طرحها علم الفلك L’astronomie وإيجاد صيغ رياضياتية لـلظواهر الفلكية المدروسة في تلك الفترة. كما أن أبحاث كل من ريكاتي  Riccati و أولر Euler و كليرو Clairaut  و لوجاندر Legendre حول المعادلات التفاضلية فرضتها الضرورة الاقتصادية بهدف حل المشكلات المعاصرة المطروحة أمام هؤلاء العلماء من طرف المختصـين في الميكـانيك. فهذه الضرورة جعـــلت فورييـه Fourier19 يدرس رياضــياتيا ظاهرة فيزيائية هامة هي توصيلية الحرارة من خلال موصِّل La conductibilité de la chaleur dans un conducteur ، فــأكتشف من خلال هــذه الدراسة الســلاسل التي تحمل اسمه Les séries de Fourier ، و ذلك بعد انكبابه على دراسة الدوال غير المستمرة وغير القابلة للنشر وفق سلاسل تايلور20 Taylor . ولا يجب أن نغفل في هذا الصدد تدخل المهندس Thomson 21 لحل معضلة تشوّه التيار في الكوابل العابرة للمحيط الأطلسي باستعمال معادلة رياضياتية ارتبطت تاريخيا بالبرق وحملت اسما ذا دلالة و معنى هو معـادلة البرقيّين L’Equation des télégraphistes.
إنه لا يمكن بأي حال من الأحوال ذكر كل المحفّزات التي وفّرها التطور الصناعي و دعاته لعلم الرّياضيات، هذا العلم الذي كان عند حسن الظّن في كل مناسبة تدخّل فيها لحل الإشكاليات الكلاسيكية المستعصية، وعليه نستطيع الجزم أن هذه الرّياضيات قدّمت للبشرية ما لم تقدّمه أية معرفة أخرى - و التي يجب احترامها في حدود - لكون تطور كل معرفة بشرية مرتبط كل الارتباط بالرّياضيات، و لقيام هذه الأخيرة بمعالجة المشاكل المطروحة و تقدمها في كل مناسبة بالحلول التي تتصف في النهاية بالبساطــة و الدّقة بساطة و دقّة أصحابها، كل هذا في زخم الضمانات الأكيدة و الصحــيحة و التي أساســـها العام هوالمـبدأ العلمـي الهام: تبا للإنجاز الذي قد يحتاج للإصلاح مرتين.
و رغم أن كل تدخلات الرّياضياتيين كانت دوما حكيمة و مدروسة فإن تكفل غيرهم بالقرار النهائي من خلال المسؤوليات التي كلّفوا بها، أفرغ بعض التطبيقات العلمية من محتوياتها بل أخرجها أحيانا عن طابعها الإنساني المرجو الذي ظهرت من أجله، الشيء الذي جعل البعض - من القانطين - يعتقد أن الحضارة البشرية شر و هي اليوم تنهار و في طريـق الزوال و الإفــلاس المستـمر، وأنه بالتالي لا أمـل في استدراك الوضع.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire