jeudi 8 septembre 2011

الفيزياء بحاجة دائمة للرّياضيات



يحتاج التركيب الجزيئي للمادة و بشكل مثير للاحتمالات و الإحصاء ، و ذلك لاستعصاء التحكم بشكل مطلق في الظواهر المادية التي تعتمد أساسا على تصادم و تزاحم جزيئات المادة و هي الظواهر المُشاهدة منذ قرون من طرف مؤسسي علم الحركة، و يعود هذا الاستعصاء لكون الخواص المشاهَدة هي نتاج لحركات "لامتجانسة" لعدد هائل من جزيئات المادة.
إن هذا الفرع من
الرّياضيات - الاحتمالات و الإحصاء - الذي بدأ في الأصل كـنظرية لألعاب الحظّ و بقي كذلك خلال القرنين 17 وَ 18 بعيدا عن الأبحاث الكلاسيكية المعروفة، شهد توسّعا كبيرا بازدهار تطبيقاته على عدّة مفاهيم فيزيائية منها الحركة، الضغط، الحرارة، درجة الحرارة وغيرها، هذه المفاهيم التي اتّضحت أكثر للعلماء عندما أعتُبِرت نتاجا لحركة و تصادم جزيئات المادة في كل حالاتها : الغازية، السّائلة و الصّلبة، هذا ما حتّم على المختصّين اللّجوء لعلمي الاحتمالات و الإحصاء كأداة للتّعرف على الأسرار الدّقيقة لـلمادة. و كالعادة فإن التنظير الرّياضياتي الذي عرفه علم الحركة ساهم في تطوّر حساب الاحتمالات، الذي تكفّل بحل المسائل المستجدّة مثل دراسة الحركة البراونيةLe mouvement brownien التي عجّلت بالوصول إلى معادلة Kolmogoroff   و اكتشاف المفهوم الرّياضياتي الجـديد المتمثل فـي الاحتمالات التّسلسلية "le concept des probabilités en chaîne " .
ولم يستفد علم الفيزياء من الاحتمالات و الإحصا فحسب، بل وظَّف مفاهيم رياضياتية أخرى حديثة كمفاهيم المجال و الفضاء و الحقل بالاعتماد على
الحساب الموتري le calcul tensoriel ، أضف إلى هذا استفادة علماء الفيزياء من المفاهيم الرّياضياتية المجرّدة مثل مفهوم الفضاءات متعددة الأبعاد le concept des espaces polydimentionnels ، و بالفعل، فبأعمال غــوص Gauss  على الإحداثيات المنحنيةles coordonnées curvilignes وُضِعت قواعد حساب المساحات، و بـفضاءات ريمان Riemann  المعمِّمة لاستعمال الإحداثيات المنحنية تمّ التأسيس الدّقيق للفضاء المتري المستمر بأبعاد كيفية، أما بأعمال لوفي شيفيتا Levi-Civita  وأبحاثه الحثيثة حول الحساب التّفاضلي المطلق le calcul différentiel absolu ، فلقد تمكّن انشتاينEinstein  من البرهان و بلورة أشهر النظـريات العلمية على الإطلاق إلى في أيامه، ألا و هي نظـرية النّسبية المعـمّمة La relativité  généralisée  التي تهتم خصوصا بالدّراسة و التّحكم في الحركات المتسارعة و الطّابع المطلق للتّسارعات، إذ أنه و وفقا للنظرية:



* تُكسب الكتلة المادية المناطق المجاورة لها في الفضاء الزمني انحناء يُكوِّن موضعيا، مساحة منحنية ذات أربعة أبعاد.



* Une masse matérielle donne aux régions voisines de l’espace-temps une courbure, de sorte que localement l’espace-temps est une surface à quatre dimensions.

و لقد فرضت هذه النظرية على الفيزيائيين، الاستعمال المكثّف لـلفضاءات متعدّدة الأبعاد. أما نظرية ماكسوال Maxwell المذكورة آنفا حول توحيد الظواهر الكهرومغناطيسية باعتماد مفهوم الفضاء، فقد فتحت الباب لتطوّر الحساب الشّعاعي le calcul vectoriel و استعماله بكثـــرة حيث تٌطبق بعض العمــليات الجبـــــرية على المقــــاديـر الموجّهة l’application des opérations algébriques aux grandeurs orientées .
أما في ما يخصّ
فيزياء الكم La physique du quanta فإن تطوّرها ارتبط ارتباطا وثيقا بـعلم حساب المصفوفات le calcul matriciel و بــحساب التكاملات أو ما يمكن أن نسميه الـمعادلات التكاملية les équations intégrales. هذا العلم المتعلّق بالمفهوم اللاّمستمر لحركة الجزيئات والإشعاعات استعمل و لمدّة طويلة المفاهيم الكلاسيكية المعروفة في الرّياضيات، لكنه عرف ثورة عارمة و تطوّر كبير بفضل العالم بوهر Bohr  الذي أدخل على فيـزياء الكم المبدأ الرّياضــياتي الهام المسمّى مبدأ العــلاقات Le principe de correspondance بتوظيفه لبعــض النظــريات الرّياضياتية المعروفة في علـم الميكانيك التّحليلــية la mécanique analytique والتي كانت مجهولة لدى فيزيائيي تلك الفترة.
ولقد وُظِّفت
المصفوفات Les matrices من طرف نييمان Ne’eman  خاصّة لتمثيل التجاذب المتبادل بين جزيئات الذرّة، الشيء الذي مكّن العالم جال مان Gell-Mann  من وضع، فرضية الـكواركس « quarks » .
وكالعادة، حثّت الأبحاث في علم الفيزياء علماء
الرّياضيات على تطوير الدّراسات في موضوع حساب المصفوفات و بخاصّة ما ارتبط بمفهوم اشتقاقية مصفوفة بالنّسبة إلى مصفوفة أخرى.
لم تتوقف الخدمات التي ظهرت بفضل المصفوفات على ما سبق ذكره بل تعدّت إلى حل المسائل المرتبطة بـرباعيات الأقطاب quadripôles وكذلك في الصّناعة مثل صناعة الطّيران و الملاحة الجوّية، أضف إلى هذا غزو
المصفوفات و الحساب عليها لمختلف مكاتب الدّراسات التقنية.
إن فيزياء الكم أصبحت توصف بالجديدة La nouvelle physique des quanta بفضل الأبحاث التي أجراها Fredholm  في التكاملات و في كيفية حسابها، والتي أعطت لـفيزياء الكم الجديدة الوسائل النظرية الصّلبة الكافية لجعلها تُطبّق في ميادين مختلفة.
أما
نظرية المجموعات La théorie des ensembles فلقد أصبحت لدى الفيزيائيين مرادفا لعلم الميكانيك التموّجية La mécanique ondulatoire أو ما يسميه البعض بالإوالة التموّجية نسبة إلى الآلة، حيث فُهمت بفضلها الجمل الذّرية متعدّدة المكوّنات بالاعتماد على دوال الأمواج les fonctions d’ondes ، الشيء الذي جعل الصناعيين يوظفون هذه النظرية التي سهّلت بالخصوص فهم الأسباب العميقة لنظام تبلور الذّرات...
لا أختم هذا الجزء -
الفيزياء بحاجة دائمة للرّياضيات - دون الإشارة إلى حاجة المختصين في علوم الاتصال - بالمعنى التقني - لبعض الدوال الخاصة مثل دوال بيسال Bessel  و دوال لابلاس Laplace  وكذلك الدّوال كثيرات الحدود لدى لوجاندر Legendre...
لهذا نلاحظ أن التجريد في التحليل الرّياضياتي أصبح من أهم وسائل كل التطورات نظرية كانت أو تقنية، فالنتائج الرّياضياتية المجردة التي تظهر لدى البعض و كأنها تبتعد تماما عن الواقع أصبحت تستغل في المخابر سواء من أجل البحوث الأساسية أو البحوث التطبيقية. و لهذه الأسباب كذلك قامت عدة دول خلال الخمسين سنة الماضية بإجراء التغييرات اللاّزمة على برامجها الدراسية لمادة
الرّياضيات لتمكين التلاميذ و الطلبة من الإطلاع على عدة مفاهيم رياضياتية جديدة لم يكن يهتم بها من قبلُ إلا المختصين فيها.
و لقد برزت ضرورة هذه التغييرات بشكل واضح عندما تمّ التنظير لـ
لرّياضيات في ثوبها الحديث - الرّياضيات الحديثة - و الذي نتج عنه عدة تطبيقات حديثة لأدوات رياضياتية قديمة أصلا مثل الحساب الشّعاعي و المصفوفات و الاحتمالات و كذلك جبر بول L’algèbre de Boole  عِلاوة على التحليل التوفيقي والتوبولوجيا. و لقد نتج عن هذه البحوث و عن غيرها ما يسمى اليوم بــالرّياضيات الحديثة والتي تعتمد على التعريف المسلماتي - المصادراتي - لمخـتلف فروع الرّياضيات الكلاسيكية تحت مظلّة تغطي الكل هي نظرية المجموعات.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire